تجاوز القاع وبدء “دورة فائقة”.. قراءة في مستقبل الأسواق الرقمية

استهلت عملة “بيتكوين” تعاملاتها المبكرة يوم الأربعاء بالثبات فوق حاجز 92,000 دولار، وسط حالة من التفاؤل الحذر بدأت تسري في أوصال السوق، مدفوعة بتقديرات تحليلية تشير إلى أن موجة البيع القاسية التي طبعت الربع الرابع قد أصبحت خلفنا. ويبدو أن الزخم الأخير قد أعاد الثقة للمستثمرين بأن الأسوأ قد مر بالفعل، خاصة مع تماسك العملة المشفرة الأكبر عالمياً عند مستوياتها الحالية بعد فترة من التذبذب.

نهاية التصحيح وبدء مرحلة الصعود

وفي مذكرة بحثية حديثة، أعرب فريق المحللين في “بيرنشتاين”، بقيادة غوتام تشوغاني، عن ثقتهم الكبيرة بأن أسواق الأصول الرقمية، وعلى رأسها بيتكوين، قد تجاوزت القاع السعري بالفعل، مشيرين إلى أن مستوى 80,000 دولار الذي سُجل في أواخر نوفمبر الماضي كان هو نقطة الارتكاز الدنيا. وقلل المحللون من أهمية المخاوف السائدة بأن قمة أكتوبر – التي تجاوزت 126,000 دولار – كانت نهاية الدورة التاريخية للعملة التي تمتد لأربع سنوات، مؤكدين أن هذه المخاوف مبالغ فيها في ظل السياق الحالي للسوق.

ويرى فريق “بيرنشتاين” أن الصناعة تمر بـ”ثورة أصول رقمية” تمدد من عمر السوق الصعودي، مدفوعة بتبني المؤسسات المالية الكبرى. وبناءً على ذلك، أبقت الشركة على توقعاتها المتفائلة بأن يلامس سعر العملة مستوى 150,000 دولار خلال عام 2026، ليصل إلى 200,000 دولار بحلول عام 2027. ورغم التراجع الطفيف بنسبة 6% الذي شهدته “بيتكوين” في عام 2025، إلا أن “تشوغاني” لفت إلى أن العام الماضي كان إيجابياً بشكل عام للأسهم المرتبطة بالعملات المشفرة والاكتتابات العامة.

الدعم المؤسسي والتوجه نحو “الترميز”

وتتجه الأنظار مستقبلاً نحو ما يسمى بـ “الدورة الفائقة للترميز” (Tokenization supercycle)، والتي تقودها شركات كبرى مثل “روبن هود”، و”كوين بيس”، و”سيركل”. ومن المتوقع أن تلعب هذه الكيانات دوراً محورياً في تعزيز التبني المؤسسي ورفع القيمة السوقية لقطاع الكريبتو. ويأتي هذا الانتعاش في أسعار بيتكوين مطلع عام 2026 بعد تداولات في نطاق ضيق وأسابيع من عمليات البيع القسري والتسييل من قبل حاملي العملة طويلي الأجل، ما أدى إلى تراجع الأسعار بنسبة وصلت إلى 35% مقارنة بقمم شهر أكتوبر.

تباين تدفقات صناديق الاستثمار

وعلى الرغم من النظرة المستقبلية الإيجابية، شهد الزخم الصعودي القوي لبيتكوين في بداية عام 2026 تباطؤاً ملحوظاً، تسبب في موجة تسييل وتخارجات صافية بقيمة 243 مليون دولار من صناديق الاستثمار المتداولة (ETFs) الفورية في الولايات المتحدة يوم الثلاثاء. وجاءت التدفقات متباينة بشكل لافت؛ ففي حين سجل صندوق “بلاك روك” (IBIT) تدفقات واردة بقيمة 228 مليون دولار، قابل ذلك تخارجات كبيرة من جهات أخرى، حيث قاد صندوق “فيدليتي” (FBTC) عمليات الاسترداد بـ 312 مليون دولار، تلاه صندوق “جرايسكيل” (GBTC) بتخارجات بلغت 83 مليون دولار. وتزامن ذلك مع تراجع سعر البيتكوين بنسبة 1.7% ليصل إلى ما يزيد قليلاً عن 92,000 دولار، مبتعداً عن أعلى مستوى أسبوعي له الذي تجاوز 94,000 دولار.

استراحة تكتيكية أم تغيير في الاتجاه؟

يقلل الخبراء والمراقبون من خطورة هذه التخارجات الأخيرة، واصفين إياها بأنها “توقف تكتيكي” وليست فقدانًا للقناعة بالاستثمار. وفي هذا الصدد، أوضح سيرجي كرافتسوف، الرئيس التنفيذي لمنصة “بابايا فاينانس”، أن ما تشهده السوق هو إعادة تموضع تكتيكي مدفوع بحركة الأسعار قصيرة الأجل، وأن التخارجات تبدو مؤقتة وليست هيكلية. ويتفق إيليا أوتيشينكو، المحلل الرئيسي في “CEX.IO”، مع هذا الرأي، مشيراً إلى أن هذه التدفقات الخارجة تشبه عملية “تطبيع” بعد التدفقات القوية في بداية العام، ومع انحسار ضغوط البيع المرتبطة بجني الخسائر الضريبية التي ميزت أواخر 2025، قد تبدو حركة الصناديق فوضوية بعض الشيء على المدى القصير دون اتجاه واضح.

وفي زوايا أخرى من السوق، ظهرت بوادر قوة نسبية تؤكد الطبيعة الانتقائية لهذا التراجع، حيث سجلت صناديق “إيثريوم” و”سولانا” تدفقات واردة بلغت 114.74 مليون دولار و19.12 مليون دولار على التوالي. بينما أشارت بيانات “DeFiLlama” إلى اعتدال في تدفقات الأصول الرقمية الائتمانية، وهو ما فسره الخبراء بأنه يعكس “الحذر وليس الانسحاب”، حيث لا يزال المستثمرون يفضلون الاحتفاظ بالسيولة كإجراء وقائي في ظل تداول العديد من الصناديق بالقرب من صافي قيمة أصولها أو أقل منها. وعلى منصة التوقعات “Myriad”، لا يزال المشاركون يحتفظون بتفاؤلهم، حيث يراهنون بنسبة 76% على أن الحركة التالية للعملة المشفرة ستتجه نحو مستوى 100,000 دولار بدلاً من التراجع إلى 69,000 دولار.