يواصل تلسكوب “جيمس ويب” الفضائي إبهار المجتمع العلمي بقدراته الفائقة التي تتجاوز حدود الخيال، مانحاً علماء الفلك نظرة غير مسبوقة لأسرار الكون، بدءاً من جيراننا في النظام الشمسي وصولاً إلى المجرات السحيقة التي تحاكي بدايات الخلق. وفي أحدث اكتشافاته التي تُغير مفاهيمنا الفلكية، رصد التلسكوب ظواهر مناخية فريدة على قمر زحل “تيتان”، بالتزامن مع كشفه عن عمليات كيميائية معقدة في مجرات بدائية قد تعيد صياغة فهمنا لنشأة الحياة.
طقس “تيتان” وفصول الصيف الغائمة
لطالما كان “تيتان”، أكبر أقمار كوكب زحل، لغزاً محيراً للعلماء بسبب غلافه الجوي الكثيف وضبابه الدخاني الذي يحجب رؤية سطحه. إلا أن قدرات “جيمس ويب” في الرصد بالأشعة تحت الحمراء مكنته من اختراق هذا الضباب الكثيف، ليكشف عن مفاجأة علمية تمثلت في وجود أنماط طقس موسمية واضحة. وقد رصد التلسكوب بقعاً ساطعة في نصف الكرة الشمالي للقمر، تبين أنها سحب ضخمة، مما يؤكد صحة النماذج الحاسوبية التي تنبأت بظهور الغيوم في أواخر فصل الصيف عندما ترتفع درجات حرارة السطح بتأثير أشعة الشمس.
ويُعد هذا الاكتشاف دليلاً قاطعاً على أن “تيتان” هو القمر الوحيد في نظامنا الشمسي الذي يمتلك أنماطاً مناخية موسمية، بفضل امتلاكه لغلاف جوي يسمح بذلك. والمثير للدهشة أن هذا الجرم السماوي يتقاسم مع كوكب الأرض تشابهاً مذهلاً في التضاريس، حيث تنتشر فيه الكثبان الرملية ذات الألوان الداكنة، والأنهار والبحيرات، إلا أن الاختلاف الجوهري يكمن في طبيعة “المياه” هناك؛ فما يجري في أنهاره وما يهطل من سمائه ليس سوى غاز الميثان السائل، الذي يتساقط وسط رياح النيتروجين، في مشهد سريالي يجمع بين الغرابة والألفة الجيولوجية.
أسرار الغبار الكوني في المجرات البدائية
وعلى صعيد آخر، انتقل “جيمس ويب” بمرآته نحو أعماق الكون ليدرس مجرة قزمة تُعرف باسم “Sextans A”، والتي تبعد عنا حوالي 4 ملايين سنة ضوئية. وتكمن أهمية هذه المجرة في كونها “بدائية كيميائياً”، حيث تحتوي على نسبة ضئيلة جداً من المعادن لا تتجاوز 7% مما يحتويه شمسنا، مما يجعلها مختبراً مثالياً لدراسة الظروف التي كانت سائدة في الكون المبكر. وقد ساد الاعتقاد لسنوات طويلة بأن بيئات كهذه غير قادرة على تشكيل كميات كبيرة من الغبار الكوني، إلا أن البيانات الجديدة قلبت هذه الموازين.
فقد كشف التلسكوب أن هذه المجرة الفقيرة بالمعادن تقوم بتشكيل حبيبات غبار معقدة، بما في ذلك الحديد المعدني وكربيد السيليكون، وهو أمر يتحدى التوقعات السابقة. وكان العلماء يعتقدون أن النجوم في مثل هذه البيئات تكون شبه خالية من الغبار، لكن “جيمس ويب” رصد نجماً يصنع غباراً مكوناً بالكامل تقريباً من الحديد، وهي ظاهرة لم يسبق رصدها في النجوم التي تماثل نجوم الكون المبكر، مما يشير إلى أن الكون وجد طرقاً مبتكرة لإنتاج المواد الصلبة حتى في ظل غياب المكونات الأساسية التقليدية.
لبنات الحياة في بيئات قاسية
ولم تتوقف الاكتشافات عند هذا الحد، بل رصد التلسكوب في المجرة ذاتها وجود “الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات” (PAHs)، وهي جزيئات كربونية معقدة تُعد من أصغر حبيبات الغبار وتعتبر مؤشراً حيوياً على تشكل النجوم، بل ويُنظر إليها على أنها من اللبنات الأساسية للحياة. وأظهرت الصور أن هذه الجزيئات قادرة على التشكل والبقاء حتى في أكثر المجرات “جوعاً للمعادن”، ولكن ضمن جيوب غازية كثيفة ومعزولة توفر لها الحماية اللازمة للنمو.
هذه النتائج مجتمعة تفتح آفاقاً جديدة أمام المجتمع العلمي، إذ تشير إلى أن العمليات الكيميائية المعقدة المسؤولة عن تشكيل الكواكب وربما الحياة نفسها، كانت ممكنة الحدوث في وقت مبكر جداً من عمر الكون وبطرق لم نكن نتخيلها من قبل، مما يستدعي إعادة النظر في النظريات القائمة حول تطور المجرات ونشأة الأنظمة الكونية.
You may also like
-
عالم المحيطات الغامض: 95% من الأعماق لا تزال مجهولة والعلماء يرصدون كائنات “خارقة”
-
المريخ: من سر “الكوكب الأحمر” إلى البحث عن آثار الحياة
-
كوريا الجنوبية تحتفي بفنونها: فعاليات ثقافية كبرى في دايغو وسيول تجذب الأنظار
-
نمو متسارع لعائدات نافر: الذكاء الاصطناعي في قلب الاستراتيجية الجديدة
-
فاكهة التنين.. كنز غذائي مذهل بفوائد متعددة