بين ترويض الخوارزميات وفخ البيانات.. كيف تحمي عقلك وخصوصيتك من “شات جي بي تي”؟

في ظل الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، يلجأ الملايين يوميًا إلى “شات جي بي تي” ليس فقط للمساعدة في صياغة الأفكار، بل لاكتشاف الثغرات المنطقية التي قد تغيب عن أذهانهم، لكن المعضلة تكمن في طبيعة هذه النماذج التي صُممت لتكون “مساعدة وغير مؤذية”، مما يجعلها تميل غالبًا لمجاملة المستخدم والموافقة على آرائه، صانعة بذلك ما يشبه “الصدى الرقمي” الذي يضر بالإنتاجية أكثر مما ينفعها.

استراتيجية “البطاطس” لكسر حاجز المجاملة

لتجاوز هذه العقبة التقنية، برزت حيلة ذكية تُعرف بـ”استراتيجية البطاطس”، وهي كلمة مفتاحية بسيطة تحول الروبوت من مساعد مطيع إلى ناقد لا يرحم، وتعتمد الفكرة على توجيه تعليمات صارمة للنموذج في بداية المحادثة، مفادها أنه كلما ذُكرت كلمة “بطاطس” متبوعة بفكرة معينة، يتوجب على الذكاء الاصطناعي التخلي عن شخصيته المتعاونة والتحول فورًا إلى “ناقد عدائي”.

تتطلب هذه الاستراتيجية من المستخدم نسخ قاعدة محددة تُلزم الروبوت بالبحث عن “الثغرات” في المنطق، وتحديد ثلاث طرق لفشل الحجة المطروحة، وافتراضين لا يستندان إلى دليل، بالإضافة إلى حجة مضادة لم يتطرق إليها المستخدم، وبهذا الأسلوب، يتحول “شات جي بي تي” إلى مدقق منطقي عالمي المستوى، يبحث عن المغالطات وتحيزات البقاء (Survivorship Bias)، مما يمنح المستخدم نقدًا حقيقيًا بدلاً من الشعور الزائف بالثقة الذي تمنحه الردود التقليدية المجاملة.

هوس الصور الكاريكاتورية وتكلفة الرفاهية الرقمية

على الجانب الآخر من استخدامات الذكاء الاصطناعي التي تهدف لتعزيز المنطق، تجتاح منصات التواصل الاجتماعي موجة ترفيهية تتمثل في تحويل الصور الشخصية إلى رسوم كاريكاتورية باستخدام نفس الأدوات، وتتم العملية ببساطة عبر تزويد “شات جي بي تي” أو غيره من النماذج بصورة واضحة، مع أمر بإنشاء كاريكاتير بناءً على الصورة و”كل ما يعرفه النظام عن المستخدم”، وهي صيحة جذبت الملايين، بمن فيهم شخصيات بارزة، لتجربة نسخهم الكرتونية المبالغ فيها.

ورغم الطابع المسلي لهذه الصيحة، إلا أنها تثير مخاوف جدية تتجاوز مجرد الترفيه، ففي حين يركز البعض على الأثر البيئي لهذه العمليات، نظرًا لاستهلاك توليد الصور كميات هائلة من الطاقة والمياه لتبريد الخوادم، تظل القضية الأكثر إلحاحًا هي الخصوصية وكيفية استغلال هذه البيانات في تدريب النماذج المستقبلية.

البيانات الشخصية وقود للإعلانات المستهدفة

تكمن الخطورة الحقيقية في أن تزويد هذه الأنظمة بصور دقيقة للوجوه وتفاصيل عن نمط الحياة يمثل تغذية مباشرة لخوارزميات التعلم الآلي، فهذه الشركات تسعى لجمع أكبر قدر ممكن من البيانات لتحسين نماذجها، وبمجرد دخول هذه الصور إلى قواعد بيانات التدريب، يصبح من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، استعادتها أو معرفة كيف سيتم استخدامها لاحقًا، وربما يتم استغلال ملامح المستخدمين لإنشاء محتوى جديد تمامًا من قبل أشخاص غرباء.

تتفاقم هذه المخاوف مع التحركات الأخيرة لشركة “OpenAI” نحو إدراج الإعلانات في “شات جي بي تي”، مما يعيد للأذهان النموذج الاقتصادي الذي قام عليه الإنترنت لعقود: البيانات مقابل الخدمة، فكلما زادت دقة البيانات التي يمتلكها النظام عن المستخدم، أصبحت الإعلانات أكثر استهدافًا وفاعلية، مما يعني أن تلك الرسوم الكاريكاتورية البريئة قد تكون مجرد حلقة أخرى في سلسلة جمع البيانات لتعزيز الماكينة الإعلانية القادمة.