نهضة هجومية وصرامة تحكيمية: كيف ترسم رابطة (WNBA) ملامح حقبتها الجديدة؟

أربع مباريات فقط في الموسم العادي كانت كافية لتثبت آزي فاد للجميع لماذا راهنت إدارة “دالاس وينجز” بقوة على إمكانياتها لموسم 2026. ما قدمته ليلة الاثنين لم يكن مجرد أداء عابر، بل كان أشبه بلمحة مبشرة للمستقبل الذي تبني عليه دالاس آمالها.

سجلت فاد 12 نقطة (وهو الأعلى في مسيرتها حتى الآن) في فوز فريقها الكاسح على “واشنطن ميستيكس” بنتيجة 92-69، وبدت مرتاحة تماماً داخل المنظومة الهجومية. الأرقام وحدها تتحدث: دخلت من دكة البدلاء لتلعب 24 دقيقة، ترجمت خلالها 6 من أصل 9 تسديدات، وأضافت متابعتين وثلاث تمريرات حاسمة، لتخرج بمعدل تأثير (Plus-Minus) وصل إلى +20. لكن اللي يلفت الانتباه فعلاً مو بس الأرقام، بل “الركادة” اللي تلعب فيها؛ فاد ما كانت مستعجلة أبداً، تقرأ الملعب بذكاء، تتخذ قرارات سريعة وتستغل الثغرات بدون أي تكلف. بالنسبة للاعبة “روكي” لا تزال تتأقلم مع الرتم البدني العالي لدوري المحترفات، هذا النضج والثبات الانفعالي يعتبر مكسب حقيقي.

الأسلحة الهجومية تحتاج لبيئة تحميهـا

دخول فاد في تركيبة دالاس كان سلس بشكل عجيب. الفريق أنهى المباراة بـ 30 تمريرة حاسمة و11 ثلاثية، مسيطراً على مجريات اللعب من البداية للنهاية. ولما يكون عندك نجمات بحجم بايج بيكرز (اللي تصدرت بـ 18 نقطة و7 تمريرات حاسمة) وأريكي أوجونباوالي (16 نقطة)، وتأتي فاد لتشكل خيار هجومي مريح وعالي الكفاءة على القوس، هذا يرفع سقف طموحات الفريق لمستوى آخر تماماً، ويجعل الدفاعات في حيرة من أمرها.

لكن، عشان نشوف هذا المستوى من السلاسة الهجومية و”حرية الحركة” على أرض الملعب، كان لزاماً على الرابطة أن تتدخل لإيقاف الفوضى والعنف الذي طغى على بعض فترات المواسم الماضية. اللعب الجميل والمفتوح يحتاج بيئة تحكيمية صارمة تحميه من التدخلات البدنية المبالغ فيها.

نفض الغبار عن ملف التحكيم

وراء الكواليس، اتخذت رابطة الـ WNBA خطوة استباقية هذا الموسم بتشكيل “فريق مهام خاص” (Task Force) وظيفته الأساسية تقديم تقييمات دقيقة لمعالجة الأخطاء الكارثية. سو بلوتش، رئيسة تطوير أداء الحكام في الرابطة، اعترفت بصريح العبارة أنه رغم أن التحكيم بشكل عام كان “جيداً” الموسم الماضي، إلا أن هناك مباريات شهدت أخطاء لا يمكن التغاضي عنها.

المثال الأبرز والأكثر جدلاً كان مباراة “إنديانا فيفر” و”كونيتيكت صن” في 17 يونيو، والتي انتهت بفوز فيفر 88-71. المباراة تلك أفلتت من يد طاقم التحكيم تماماً. بلوتش أقرت بأن الحكام فشلوا في السيطرة على الاحتكاكات البدنية منذ الربع الأول، وتصاعدت المشاحنات لتنتهي بطرد ثلاث لاعبات في الدقيقة الأخيرة بعد اشتباك بين صوفي كانينغهام وجيسي شيلدون.

الشرارة الحقيقية بدأت قبل ذلك، حينما تعرضت كايتلين كلارك لضربة في العين من شيلدون، لترد كلارك بدفعها وتتجه بعيداً، قبل أن تتدخل مارينا مابري وتطرح كلارك أرضاً بتدخل بدني عنيف. مابري تلقت خطأ فنياً (تم تعديله لاحقاً إلى خطأ متعمد من الدرجة الثانية Flagrant 2 وكان المفروض تُطرد بسببه)، بينما نالت شيلدون خطأ متعمد من الدرجة الأولى.

هنا يؤكد الخبراء في الرابطة، وتحديداً ماكوتشين، أن التفاصيل الدقيقة أقل أهمية من حقيقة أن “المباراة كبرت على الحكام”. عندما تشعر اللاعبات أن التحكيم غير قادر على فرض العقوبة المناسبة، تتسرب عقلية “سآخذ حقي بيدي” إلى أرض الملعب، وهي العقلية التي تسعى الرابطة لاستئصالها من جذورها.

تطبيق القوانين، لا اختراعها

لمعالجة هذا الخلل، تم اختيار 8 أسماء ثقيلة من مدربين ومدراء عامين لعضوية اللجنة الجديدة، بناءً على ترشيحات وتطوع من لجنة المنافسة. القائمة ضمت شخصيات مثل مدرب فينيكس نيت تيبتيس، ستيفاني وايت (فيفر)، ساندي برونديلو (تورونتو تيمبو)، مورغان تاك، كيرت ميلر، جوناثان كولب، شيريل ريف، وبيكي هامون.

اللجنة اتفقت على أن المشكلة لم تكن في الحاجة لقوانين جديدة، بل في التطبيق الصارم للقوانين الحالية، وتحديداً تلك المتعلقة بـ “حرية الحركة”. النتيجة؟ ارتفع معدل الأخطاء المحتسبة من 38.7 خطأ في المباراة خلال الأيام العشرة الأولى من موسم 2025، إلى 44 خطأ في المباراة هذا الموسم.

هذا الحزم مدعوم اليوم بنظام تقييم فوري يُعرف بـ (REPS)، والذي يسمح للمسؤولين باقتطاع أي لقطة مثيرة للجدل خلال 30 ثانية فقط من إطلاق الصافرة النهائية، وإرسالها فوراً للحكام لمراجعتها وتقييم الأداء والمحاسبة.

في النهاية، قد تبدو كثرة الصافرات والفاولات مزعجة للبعض وتكسر رتم المباريات أحياناً، لكنها الضريبة التي تدفعها الرابطة لتنظيف اللعبة. هذا التوجه الصارم هو ما يوفر اليوم للاعبات الصاعدات مثل آزي فاد المساحة الكافية للتألق والإبداع، راسماً بذلك ملامح حقبة جديدة تجمع بين المهارة الهجومية العالية والانضباط التام.